الأربعاء، تشرين الثاني ٠١، ٢٠٠٦

شـــيطنة

شارع ومدرسة، حب وتعتسة....

... مدرس لغة ما، كان يعتقد أنها الأهم نسي واجبه وبات يفكر في أمر الراتب اشترى جريدة "القدس" وبدأ بالبحث عن نكات جديدة تصف وضع الموظف دون راتب..
.... وأغنية (نطنطة) في التكسي تستفز فتاة جامعية فتطلب من السائق أن يتوقف لتخرج تأخذ نفسا ( مش منطنط)
... وصديقة لي اسمها (فلسطين) تقترح على أهلها أن يقرروا بشأن اسمها إذ يجب أن يتحدد أكثر فإما أن يصبح (ضفة) وإما أن ينادوها (غزة).
بين كل هؤلاء، وأمام صحن زعتر، كان (الواقف بالريح)
************** * *
لم يكن لاسمه علاقة بلحظة المخاض، ولا بالتمرد الذي كان يعتبره كنزا هو مجنون بين عاقلين هكذا اعتقد المحيطون.
المقاعد الأربعين في صفة لم تنج من تمرده فكل مقعد كتب عليه شعار، بيت شعر، أغنية وطنية، وتوقيع إرهابي، وكان بالنسبة للجميع متمرد مبتدع، أو سنة أولى تمرد
في غرفة الطاولات
حقد على معدي المناهج، فأخبره زملاؤه أنها لا تحتوي على شيء سوى أكاذيب، فكتاب التاريخ مثلا ليس سوى كذبة قديمة بعض الشيء اختلقها زعماء مصالح بلد ما وطلبوا من كاتب غبي أن يكتبها بما يتناسب مع مصالحهم، ففعل
الحقيبة
حقيبته السوداء لا تحوي سوى بضع أقلام وأوراق وصفها أنها لحالات الطوارئ، أي إذا طلب منه كتابة شيء ما فإنه يكون مستعدا فهو يعيش حالة تشبه المطر، قال يوما لصديقه:" إن حقيبتي السوداء تشبه مئات الحقائب السوداء التي غادرت الحدود وسخرت من تراب الوطن" قبل أن يكمل وبخته المدرسة لشغبه في الحصة فصمت ربما خجلا لأنها امرأة، ولكنه كتب على دفتر صديقه هذه المرأة تذكرني بالنكبة وكأنها تحمل جينات نكباوية.
ضحكا معاً وطردا من حصة الجغرافيا
الجريمة المتوقعة
مدير المدرسة الذي نسي جدول الضرب وتاريخ إعلان دولة إسرائيل اللقيطة، أخبر الطلاب أن في المدرسة شيطان وعليهم الابتعاد عنه لم يسمع له الكثيرون فبعضهم اتهمه بالجنون، ووجدها فرصة لا تعوض لطلب الخروج من المدرسة، وآخرون التزموا الصمت حفاظا على أوراق أطلقوا عليها اسم شهادات تقدم لهم في يوم مشمس.
أما هو، فقد أدرك أنه الشيطان، وأن الملائكة لا تحبه، فحمل حقيبته السوداء، وخرج، وقال للمدرس بلكنة ساخرة "تنفس قبل أن يبدأ الشهر!
النتائج مذهلة
الأولى
طرد الشيطان من جنته، والبقية يحاولون التحول إلى ملائكة.
الثانية
ورقة بيضاء وختم مدرسي عليها وتواقيع كثيرة، وأسماء لمواد تدرّس ولا تُدرَس.
الثالثة
هناك وراء قضبان سوداء، دون حقيبة، دون راديو، ودون دفتر..
هو في المعتقل، ما زال ينتظر.....،.....

بقلم رشا نادر أبو حنيش

رقصة على الشاطئ العكاوي

كشجرة البلوط المقدسة كانت تقف دونما انكسار.. عيناها البندقيتان.. وشعرها الأسود قد زينته بزهور برية، ما زال يحكي حكاية الليل الطويلة، هي أم الجدايل التي تعشق الرقص على الشاطئ العكاوي.
صياد احترف صيد الجنيات، يخطف اللقمة من فك الوحوش.. عيناه الساهمتان ما زالتا تحلمان برقصة أحلى على شاطئ أجمل.... هو ظريف الطول..
ظريف الطول وأم الجدايل تعاهدا على المحبة والوفاء أمام الأعمدة...
على ذاك الشاطئ المسحور رقصا معا.. الأمواج كانت تميل معهما.. أم الجدايل تشارك ظريف الطول الرقص.. والأعمدة تشاركهما الفرحة، بيدها اليمنى تلوح بذاك المنديل الذي ثبتت على أطرافه بعض الودع الرائع.. وترتفع أغاني الدلعونا والعتابا.. وأم الجدايل تطير.. تميل للأمام وللخلف مع ظريف الطول وبقية الراقصين.
أم الجدايل أصبح يضرب بها المثل.. " ويا ظريف الطول وقف تاقلك رايح عالغربة وبلادك أحسلك" أم الجدايل ما زالت تذكر كلماته ولهجته المعسولة كان دائما يقول لها مداعبا شعرها.. متأملا عيناها بعينين غامقتين وراء غلالة من الدموع... ما بك يا عكا؟ لماذا تبدين خائفة؟ أنا بجانبك.. أنا ظريف الطول لست بغازٍ إنجليزي.. لن أبتعد عنك.. حتى لو غبت.. سأعود حتى لو بعد دهر لنكمل الرقص ويشاركنا الشاطئ وتشاركنا الأعمدة..
"عكا" هذا هو الاسم الذي اختاره لها.. حتى تبقى محفورة في قلبه وعلى ذاك الشاطئ العكاوي حفرت ملامحها.. حتى أن الأمواج تشتاقها وتسأل عنها.. والأعمدة.. ما زالت تتخاصر تميل على أنغام الألحان الماضية.. وأم الجدايل تقف بعيدا عن ساحة الرقص فرفيق دربها بعيد.. لا يشاركها الرقص.. لا تعرف أين ذهب.. هل أخذه البحر الحاقد الغادر كما أخذ غيره.. أم سيقذفه بطلاً محرراً لا ميتاً هزمته الريح العاتية..
أم الجدايل ما زالت تنتظر أن يأتي ليخلصها من قيود الذهب المزيف والأعمدة تميل.. والأمواج تهمس في أذن الرمال.. ما بها أم الجدايل؟ أين خصرها الذي كان يميل مع كل نغمة.. وأين أناملها التي كانت تمسك المنديل وترقص دونما كلل.. هل تعبت؟ أم أن أناملها شققها طول الانتظار....
أم الجدايل اليوم أصبحت تعشق الرقص على أنغام الرصاص.. تحولت إلى امرأة تحمل بندقية بيد.. وتحتفظ بمنديلها باليد الأخرى.. أما ظريف الطول.. فهو يمارس رقصا من نوع آخر.. يرقص مأمورا بعد أن كان آمراً.. ويلوح بيديه المكبلتين طالباً ماءً أو بعض طعام..
كانون يلتقط أنفاسه الأخيرة من ذاك العام وما زالت تنتظر.. ترفض أن يشاركها أحدهم الرقص.. ما زالت تحتفظ بالمنديل.. وما زالت تحفظ تلك الأغنية عن ظهر قلب... تخاطب رمال الشاطئ الساجي وتسألها وتلح عليها بالرجاء والأمل أن تجيبها إذا كانت قد رأت ظريف الطول، أو أنها وجدت كوفيته التي كانت تعشقها وتضمها إلى صدرها.. فتشعر بامتلاك البحر وما فيه.
ظريف الطول ما زال بعيدا يحلم برقصة أحلى، على شاطئ نقي نظيف.. وأم الجدايل ما زالت تذكر جيدا تلك الساحة التي كانوا يرقصون فيها.. الشبان والصبايا، وذاك الجدار القصير الذي كانوا إذا تعبوا يلقون بظهورهم عليه، تناقض عدد الشبان والصبايا.. وذاك الجدار امتدت جذوره حتى وصلت إلى أعناقهم وأصبح خانقا.. خطف كل شيء.. أما الصبايا والشبان، وما تبقى منهم.. يدبِكون، يقبلون الأرض بعيونهم الحالمة.. يحاولون رفع أيديهم المكبلة.. ولكن..
لحظات من التفكير.. تعود أم الجدايل للسؤال نفسه والحلم ذاته... ظريف الطول.. أين أنت؟! لماذا تركتني وحيدة.. ألم تعدني بأن تعود وتشاركني الرقص.. الريح يعصف بمنديلها.. انتظرت طويلا.. بكت.. حاولت أن تستعيد وقفتها استعدادا للرقص.. صرخت... هي لا تستطيع.. الدمع يخونها.. تغني أغنية الموت.. واللحن الباكي بلا صوت.. هي تنهار كما ذاك الجدار سينهار وتتمزق ككل المعاهدات المزيفة...
تقفز إلى الشاطئ تعانق تلك الأمواج وتشاركها الرقص.. تطير.. تحلق بعيدا.. تلتقي بظريف الطول في مكان جميل لم تشهده عيناها من قبل.. تلقي بنفسها في أحضانه .. تهمس بأذنه.. عكا هنا.. جاءت لتكمل الرقص.. عكا تحبك أيها البطل.
الناي، الربابة.. "ويا ظريف الطول وين رايح تاروح جرحت قلبي وغمقت الجروح"

من منا لا يعزف وطن

قال لها يوماً، وهما يتابعان الحوار النوتي: "إن عينيك قاربا صيد، وأهدابها أمواج بحري".
قال كرمل بعد أن أغمض عينيه اللاهثتين "إن قدري وطقوسي لا يسمحان لي بالخيانة في الحب".
كانت هذه آخر كلمات قالتها "لروحانا".
إنها الحكاية التي لا تموت .. إنها حكاية الوطن .. والموت والحب .. كيف بدأت ..؟
هو الذي أخبرني عن أول لقاء لهما، كيف رآها تقف على الشاطئ تظللها الشمس ترتدي قميصاً بستة أزرار .. لكنه رأى الشمس زراً سابعاً فيه.
"روحانا" هي أغنية المستحيل القريبة من الروح، وجهها أيام وكأنها الأيام الخوالي، حين كانت تأتي لزيارته تخرج من الماء وطعم البحر على شفاهه لذيذ.. ولكنه في الحقيقة يتوق لطعم آخر...
قبل اللحن : لطالما أخبرها أن الأمواج هي أمه منذ البدايات، هي التي تدثره من جحيم الرمل، لكنه دائماً كان يحب أن يرتقي معها موج البحر، هي حزنه وخوفه، ذات مرة وصف وجهها قائلاً: أنه كفوانيس الصيادين"، كان ماهراً باصطياد الكلمة أكثر من اللحظة.
أما "روحانا" فهي من هتاف الآلهة، هي أجمل مقطوعة موسيقية سمعها، إنها الألم إلى حد التراجيديا، والبراءة إلى حد الضحك، كانت حين تعزف يشعر أن كل الأشياء المتفرقة تجتمع، وأن تلك الحرفة هي التي ستعيد الوطن، لطالما أخبرته أنها عاملة في الموسيقى، هي الموسيقى منبع التوحد، والالتقاء وتجاوز السخافات التي تسكننا.
سألها: هل ما زالت تعشق العزف، ولا تترك الآلة إلا حين يغلبها النعاس، وهل ما زالت تقرأ تمسك روايات غسان كنفاني وكأنها تحتضن طفلة من أحشائها تغني لها شعر لوركا... لم ينتظر الإجابة .. أخبرها دائماً بأن أمواج لحنها رائعة، تمحو تعبه، ولا أحد غيرها يتقن البكاء والفرح . صرخ في وجهها: "أتريدين العزف هذا المساء"؟ بحركة قصيرة لامعة كالبرق مثل رؤية أو حلم، كانت اليدان تعزفان على لوحة البيانو، قالت: والليل أسود؟!
بعد اللحن: كانت تقول له بعد كل عزف ألن تخبرني حكاية من حكاياك، عن الوطن السليب، عن والدك الذي أوصاك على البحر وأودع مفتاحه عندك؟!
"كرمل" ذاك الاسم الذي أحيا الوطن. لم تنتظر الإجابة .. قالت: "أتدري أن غسان قلبي يخبرني أنك تحب البحر أكثر مني!. رد عليها قائلاً: "ويبدو أنك تحبين غسان أكثر مني! قالت: "أجل، أحبه، وهل هناك من لا يحبه، اسأل بحرك، أمواجك، أهدابك عنه ... إنه ظل العاشق الذي لا يموت، إنه الغيمة التي تمطر دوماً. استطرد الحديث وقال: "إنني أرى صورتك على أمواجي محملة بأنغام جروحي ... لكنني أرى صورتي على الرمال محاطة بأسلاك جارحة". سألته بلهفة: ماذا تتمنى لي يا كرمل ؟ أتتمنى أن تغرق آلاتي في بحرك وأسكن بعدها الشاطئ الكلامي؟ فكر قليلاً وقرر أن يبادلها السؤال، لكن بحثه عن الحب والصنارة أفقداه الأسئلة وغرق في الصمت.
المقام الأخير:
هزج البحر بالزبد الزئبقي، كانت النجوم لا تعد، صرخ عجيب يقتل روح البنفسج، القمر تحول لبرتقالة، أتقنت روح الغناء ذاك اللحن، ترجل ربان السفينة، أطبق الموج على روحها، أما السفينة فعادت وحدها .. وروحانا ذهبت أيضاً وحدها.
أزهر اللوز في الكرمل، طارت روح "روحانا" حيث اللامكان واللالحن. (عاد وطني، عاد وطني) هذه اللوحة التي لن تغرق .
***كرمل وروحانا هي أسماء مناطق في حيفا***
بقلم رشا نادر أبو حنيش

وتر يومي في المكان

ترى.. من أين تنطلق شرارة الشعور بالاحتياج إلى ظل؟ وهل اندفاعنا نحو الرفيق مجرد حركة عفوية نقوم بها دونما دراية…؟ والوحدة تتبعها الآهات…
هل يمكن أن تكون هي الشرارة التي تشعل نيران الميل نحو الجديد… وتسيرنا نحو المكروه أحيانا.. فقط كي نكسر وحدتنا …ونبدد أوهامنا الساكنة في عيون أشباح الليل الجائع…
قد نظن عند لقاءنا بالصديق للوهلة الأولى بأنه سيحوي حزننا وقهرنا ووحدتنا التي تنهش عقلنا الحاضر وتحطم وجدان الماضي لكن سرعان ما يدور الزمن وتتحطم عقارب الأيام ونفارق الصديق…ويتلاشى الشعور بالأمان ويتربص لنا الخوف مجددا من خلف ستائر الألم… توقظنا الوحدة برنين يشبه رنين ساعة المنبه… فنفيق ونحن نبحث عن لمام أنفسنا الضائعة بين الأمس والغد والمنشود…
وإذا ما انشق الصباح … وأعلن اليوم وصوله … تعلن كلماته تمردها … ويهم بالجلوس خلف ذاك الذي قد تأنسن ليصبح عبدا مطيعا يخضع لتحركات أنامله السحرية التي قد قلمها بطريقة محبوسة بين البراءة الناعمة الملساء وبين فلسفة النضج…
لربما كان بحاجة كاتم سر يودع عنده كلماته التي تشبه القنابل الموقوتة… يتأرجح بين الحياة والفوضوية وبين الحياة الرقمية… أراه يذوي كل يوم تحاصره الأفكار ويكابر … ما أصعب عناد مكابرته لأنه يرفض الاعتراف بأن الأزرار تحكم ضغطها على جسمه … ورغم ذلك يبتسم لها ويداعبها …فليبتسم كما يحلو له… فإنه لا محالة غريق الكتابة… في نهاية ذلك اليوم الشاق … يود السيد لو يعانق تلك الكلمة … لكن سرعان ما تتلاشى وتتوارى خلف الزجاج…
عندها ينحني الجهاز معتذرا وشاكرا عبقريته … ويهم بتقبيل يديه… لكنه كان قد غضب من ذاك العبد الغبي ولعنه… لأنه لا يدرك تماما متى يكون سيد في قمة الألم…
بقلم رشا نادر أبو حنيش

بائع علكة

ذات يوم رأيته.. كان هناك في المكان الذي اختاره وأصبح جزءا من جدرانه، هو متجول بارع صنع من كيسه الأسود أسطورة البحث الطويلة... كنت دائما أتأمله وذاك الكيس الذي يضع فيه العلكة، كنت دائما أتساءل هل هي مجرد علكة أم أكثر من هذا؟ وماذا تعني له هل هي سلم للوصول إلى طريق ما... أم طريقة لكسب العيش فقط؟
يوما ما قادتني خطاي السلحفائية إلى ذاك المكان، تأملته عن قرب كان منكسرا غاضبا وملابسه رثة مغبرة في الأصل كانت ملونة لكنها تحولت إلى رمادية وبنية كلون عيونه… كنت أسير، أدخل وأخرج في ذات المكان على غير هدى، ولكن ما الذي جاء بي إلى هذا المكان..أهو قدر أحمق الخطى، أم خطاي الهوجاء المتعثرة…
فرك عيونه ليتأكد من وجودي... بادلني ذاك التأمل... وتلك النظرات... وكأنه قذف أفكارا مجنونة على وجهي... خفضت رأسي متأملة الأرض التي يمشي والمقعد الذي يجلس، وطويت نظراتي لأنه كان يقرأ بعض العبارات المجنونة فيها، في تلك اللحظة تحولت الكلمات اللعينة في رأسي إلى غيوم مبعثرة ترفض الاستقرار، تدور وتستقر في ذات المكان.
يوماً ما قالت لي صديقتي لماذا تنظرين إليه هكذا.. وما الذي يعجبك به؟ أم أنك تعشقين الغرابه في كل شيء، هو هادئ وطائش... متمرد وعاقل... هو ملاك بملامح شيطانية.. هو الخجول أمام الجميع والباكي أمام امرأة…
أربع زنابق في قلبه عرفتها كلها ليست في آن واحد... وإنما في أزمنة مختلفة وظروف غامضة.. كان يوم في تموز عندما قررت شراء العلكة… اقتربت منه فشعرت برعدة تسري في جسدي رغبت بالتراجع لكنني انهزمت وانكسرت واجتاحني شعور غريب صعب تفسيره… ودفعت ذاك الثمن الغالي مقابل علكة لم أتناولها ولم أدر ما سرها… وما زلت احتفظ بها رغم انتهاء صلاحيتها… وما زلت وفية لها كوفاء زوجة عوليس في الحقيقة لا أدري ما الذي دفعني إلى التخلي عن ذاك المبلغ… مقابل شيء لم أعرفه ولكن أعرفه… عندها سقط قلمي في كيسه سهوا… اختنقت كل الحروف… وبقيت العلكة في حقيبتي…
بقلم رشا نادر أبو حنيش

الـعـم يـأس


في ذاك اليوم، استعدت جيدا وضعت ذاك العطر الزئبقي وذهبت لذاك الموعد المزعوم الذي قد نسجته في خيالها.. اختارت الوقت والمكان..
ولم تكن تتصور أن يختار لها القدر ذاك الشخص الذي ستقابل وأنه سيحل ضيفا دائما عزيزا عليها..
لطالما انتظرت ذاك اليوم أن يأتي.. أن يحنو عليها أحد.. أن يقبل وجنتيها.. أن يضمها.. أن يعانقها كما لو يعانق نجمة في السماء صعب الوصول إليها..
كان طموحها هو البقاء من أجل ذاك اليوم..
نصف النصف مضى.. ونصف العمر مضى.. وما زالت تنتظر..
هي الآن كما كانت قبل الآن.. هادئة حزينة تحدث نفسها بأشياء تعرفها ولا تعرفها.. هي تغني.. صوتها الشعبي الهائج يقتل الأنثى الهادئة.. يجعلها ترقص حنينا وتبكي حنينا آخر..
نصف الحلم قتل.. هي متوحدة مع ذاتها.. وما زالت تنتظر..
تسأل نفسها أي لعنة حلت عليها وجردتها من طفولتها كيف تتحول إلى امرأة تحلق موعدا وتختار له مكانا وتنتظر... !!
وجاء المنتظر.. طبع قبلة البقاء على جبينها..
استراح إلى جانبها.. حاولت أن تبتعد.. أن تتجرد من تلك الشخصية المنتظرة..كل محاولاتها باءت بالفشل.. حاولت أن تستنجد بأحد.. نظرت حولها لم تجد أحدا.. لم يكن هناك سواه.. كل الوجوه أصبحت هـو..
هي تخاطب ذاتها.. أيها المقيم الدائم.. متى سترحل..؟ هل سأهجر أقلامي وأبقى معك.. هل كتب علي أن أبقى بجوارك..؟! أي موت هو..؟!حاول أن يكون ضيفا خفيف الظل.. وأن تعتاد عليه.. لكنه فشل.. تراءى الوهم.. وخرجت الشمس..
كان قد حل وجوده في مكان لا يرغب فيه.. وفي ضيافة شخص لم يستقبله كما يجب..
هدأت أنفاسها.. فركت عيناها.. وما زالت تفكر بالحلم..
وقف أمامها.. حملق فيها طويلا.. حاول جذبها حتى هذه اللحظة..
انحنى لكبريائها.. طبع قبل الوداع على جبينها وابتسم.. حل ضيفا دون موعد ورحل..
وحلت هي فتاة اليأس دون منازع...
بقلم رشا نادر أبو حنيش